الغزالي

74

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

قالوا : ادخل ، فدخل فتشاوروا في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا مئة رجل ، وقيل كانوا خمسة عشر رجلا ، فقال أبو البختريّ المقتول كافرا ببدر : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه بابا ، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله . فقال النجدي : ما هذا برأي ، واللّه لو حبستموه في الحديد ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا برأي ، فانظروا في غيره . فقال أبو الأسود بن ربيعة بن عمرو العامري : نخرجه من بين أظهرنا ، فننفيه من بلادنا فلا نبالي أين ذهب . فقال النجدي لعنه اللّه : واللّه ما هذا برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقة ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، واللّه لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله حتى يتابعوه عليكم ، ثم يسير بهم إليكم ، فيأخذ أمركم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد . أديروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل : واللّه إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه ، أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا ، ثم يعطى كلّ فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فنستريح منه ، ويتفرّق دمه في القبائل ، فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فنعقله لهم . فقال النجدي لعنه اللّه : القول ما قال ، لا أرى غيره . فأجمع رأيهم على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتفرّقوا على ذلك ، ثم أتى جبريل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه . فلمّا كان الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام ، فيثبوا عليه ، فأمر عليه السلام عليّا ، فنام مكانه ، وغطّي ببرد له صلّى اللّه عليه وسلّم أخضر كان يشهد به الجمعة والعيدين بعد ذلك عند فعلهما ، فكان عليّ أوّل من شرى نفسه في اللّه ، ووقى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي ذلك يقول عليّ رضي اللّه عنه : وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر